نشرت هذه القصة في مجلة الأفكار الذكية
في المؤسَّسات الخاصّة كلّ شيءٍ ممكِن، كما لو أنّ المرء يَعِيش حُلماً، فلا قوانين ثابتة تحكُم الأنظمة وتُسيِّر الأمور. وبالتأكيد هذا أمر لا ينطبق على جميع المؤسَّسات الخاصّة، لكنه دون أدنى شَكّ ينطبق على مؤسَّسة السيد (سالم).
سكرتيرة السيد (سالم) فتاة جميلة ومُدلَّلة اسمها (نور)، وهي جيِّدة في عملها ولطيفة مع جميع الموظَّفين وتقدِّم لهم كلّ مساعدة ممكِنة، لكن عندها مُشكلة واحدة: قِطّتها (تالا)، فـ(نور) لا تستطيع ترْك قِطّتها الصغيرة في المنزل وحدَها؛ لذلك طلبتْ إذْن مُديرها وزُمَلائها في اصطحاب القِطّة إلى المكتب.
حَظِيت القِطّة بكلّ الدَّلال الذي تحلُم به قِطّة، فكان الجميع يلعبون معها ويحضرون لها الطعام والحليب وكُرات الصُّوف، وذَهَب بعضهم إلى أبعد من ذلك حين أحضر لها دُمية على شَكْل فَأْر.
بَقِيت الحال على ما هي عليه مدّة شهريْن، ولم يعترِضْ أحد على وجود القِطَّة، حتى جاء يوم..
كانت (نور) تُحضِر قِطَّتها في صندوق بلاستيكيّ أنيق، تقفله بإحكام خَشيةَ سقوط القِطّة المدلَّلة، لكنها في ذلك الصباح، وبعد أن وَصلتْ إلى مكتبها وبينما كانت تحاول فتح الصندوق كُسِر المفتاح داخل القفل، والقِطّة المسكينة محبوسة في الداخل تموء خوفاً.. أسرعتْ (نور) في البحث عن دَبُّوس أو أيّ أداة أخرى لفتح القفل دون إيذاء القطة، لكنها وجدت أن الدبابيس نَفِدتْ.
هُرِعتْ إلى المكاتب الأخرى مُستغِيثة: يا جماعة، قِطّتي، (تالا)، محبوسة في الصندوق، أريد دَبُّوساً..
بحث الجميع في أدراجهم، قلبوا المكاتب بحثاً عن دبوس، لكنّهم لم يجدوا شيئاً، لا دبابيس.. لا أقلام جديدة.. لا مشابك ورق، ولا حتى ورق..
وجد (محمد) مجموعة أوراق مضمومة بدَبُّوس، فنزعه منها وأسرع لإنقاذ القِطّة، فلحق به الجميع إلى مكتب (نور)، وبعد رُبُع ساعة من المحاولات، أثمرت جهوده بتحرير (تالا)، فصَفَّق له الجميع مُهلِّلين، وباركوا لـ(نور) بسلامة قِطَّتها، وأخذوا يُقدِّمون لها النصائح من أجل المرات القادمة.. وفجأة…
انتبه (محمد) إلى وجود خلل ما، قال لهم:
- يا جماعة، لماذا لم نجد في المؤسسة دَبُّوساً واحداً؟!
صَمَتَ الجميع، حدَّقوا ببعضهم مُستغرِبين، بينما استأنف (محمد) كلامه:
- منذُ شهريْن شكَّلنا لجنة مُشترَيات، وكنتُ عُضواً فيها، وقد اشترَيْنا أدوات مكتبية تكفينا مُدّة عام كامل، وكانت اللائحة مُتضمِنّة كل ما يمكن أن نحتاجه، وذلك في اليوم ذاته الذي اشترَيْنا فيه آلة النسخ الجديدة.
سأله أحدهم:
- آلة النسخ موجودة، لكن أين الأدوات المكتبية التي تتحدث عنها؟!
- في الواقع، أنا في حيرة من الأمر، كان يُفترَض بنا استلام كل المطلوب بعد أُسبوع من شِراء الموادّ، لكنني سافرتُ بعد يوميْن وبقي الأمر في يد رئيس اللجنة السيد (سعيد)، والعُضْو الآخَر (مروان).
اتجهتْ كلّ الأنظار إلى (مروان) الذي امتُقِع وجهه، وكان قد ارتشف لتوّه بعضاً من فنجان الشاي أمامه، (فشَرِق) به وأخذ يسعل بقوة، والجميع صامتون يحدِّقون به مُنتظِرين تبريراً.
بعد أن توقف عن السُّعال قال لهم:
- أرأيتم.. هذا ما تجلبه لنا تلك القِطّة الغبية.
ذُهِل الموظَّفون: ماذا يقول هذا الأحمق؟!.. ما شأن القِطّة بالأدوات المكتبية؟!
تابع (مروان):
- لقد أصابتني الحساسية منها (سعل من جديد) ألا ترونني؟!.. إنني أتنفَّس بصعوبة.. أخشى أن أُصاب بالإغماء.. أحضروا لي بعض الماء.. أبعدوا هذه القِطّة عني..
بعض الموظَّفين أصيب بنوع من الصدمة بسبب الوصلة الدرامية التي أدّاها (مروان)، فقال أحدهم:
- الآن عَرَفْنا من سينال الأوسكار عن أفضل أداء!
تفاقمتْ قِصّة الدَّبُّوس.. وبدأ (محمد) يتحرّى الأمر، فقد عَلِم أن ثمّة لُعْبة خَبِيثة تدور في المؤسَّسة، وبعد أيّام من العمل الاستخباراتيّ اكتشف أن (سعيد) وهو رئيس قسم في المؤسَّسة، ومعه (مروان)، قاما بلُعْبة قَذِرة لسَرِقة المؤسَّسة، فطلبا أدوات مكتبية تكفي مدّة عام مع آلة النسخ، واتفقا مع البائع على خُطَّتهما مُستغِلّين سفر (محمد) لتنفيذها، فقد اعتقدا أن الأدوات المكتبية الموجودة حالياً في المؤسَّسة ستكفيهم لعام آخَر، وذلك بسبب خطأ من (مروان)، لأنه ظنّ أن المخزن يحتوي أدوات مكتبية فائضة من الأع






















