قصة
التقيته على شاطئ المحيط الأطلسي.. كان رجلاً بكل المعاني، وكنتُ طفلة تلهو فوق الرمال.. أسير حافية على حدود الأفق القرمزي.. تلاحقني أمواج المحيط، أهرب منها، ثمّ أعود لألتقط أطرافها بأصابع أقدامي..
الاسم: آس غاله
البلد: الامارات العربية المتحدة
التصنيفات : خاصة,ثقافة وفن,أدب وكتب,الأسرة والأصدقاء,سفر وتجوال,عام,المرأة
أظهر كافة المعلومات
| ► | نوفمبر 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | ||||

قصة
التقيته على شاطئ المحيط الأطلسي.. كان رجلاً بكل المعاني، وكنتُ طفلة تلهو فوق الرمال.. أسير حافية على حدود الأفق القرمزي.. تلاحقني أمواج المحيط، أهرب منها، ثمّ أعود لألتقط أطرافها بأصابع أقدامي..
حين تشرق شموس الغجر, يعقدون العزم على رحيل جديد.. يحملون متاعهم البسيط: كرة زجاجية, وبعض الحطب, وأغنيات للحب والسفر.. يرحلون إلى مدارات شموسهم المتقدة خلف عيون بلون الشتاء.. يتبعون النور موشحين بألوان الطيف.. تتساقط أمطارهم على بقعة أرض صغيرة ضمّت جسداً سقط في ليلة صيف بعيد, لتنبت من دمائه باقة من شقائق النعمان..
هو ليس غجرياً.. لكنه رمزٌ لكل الغجر.. غنّى لهم قصائد الحب والحرية, ونبتت من قلمه المبدع آلاف الأجنحة المسافرة في عالمهم الذي لا يعرف سوى الترحال.. إنه فيديريكو غارسيا لوركا.. شاعرٌ ملأ الكون غناءً في حياته, ليملأه بكاءً في موته..
إسباني.. عربي.. غجري!
لا أحد يستطيع أن يجزم إلى أي انتماء يعود عندليب الأندلس, فمن المعروف أن والديه إسبانيان, لكن كثيراً من الأشخاص يقولون إن دماء عربية تجري في عروقه, وفي الوقت ذاته كرّس جزءاً كبيراً من أدبه للغجر الذين اتخذوه رمزاً لهم, حتى ظن كثيرٌ من الناس أن لوركا كان غجرياً برغم نفيه هذا الأمر.
ولعلّ هذه التوليفة الغريبة في حياته قد أثرت على نوعية إبداعه, فامتلك رومانسية الإسبان وشاعرية العرب وعشق الغجر للحرية..
ولد لوركا في الخامس من حزيران عام 1898 في (فونت باكيروس) القريبة من غرناطة, لوالدين ثريين, مزارعٍ يمتلك كثيراً من الأراضي, ومعلمةٍ أخذت على عاتقها تربية طفلها فيديريكو تربية خاصة, بعد أن اتضحت لها إصابته بمرض جعله يتأخر في المشي حتى سن الرابعة, كما أن فيديريكو وجد صعوبة كبيرة في النطق بادئ الأمر, وهذا جعله بعيداً عن أقرانه لصعوبة التواصل معهم, لكنه فجّر فيه طاقات إبداعية جاءت تعويضاً عن العالم الخارجي, حيث صنع لنفسه عالماً خاصاً كان بداية انطلاقته في دنيا الإبداع الأدبي.
مسرح من صنع يديه
كل ما كان يدور في خلد فيديريكو الصغير من خيالات تطوف في فضاءات ساحرة, لمـّها بين يديه الصغيرتين ليصنع منها مسرحاً للدمى التي منحها أسماء خدم العائلة وأشقائه الصغار, وكان أول شيء اشتراه بما اقتصده من النقود مسرحاً للعرائس في غرناطة، ولم يقف في وجهه عائق عدم وجود مسرحيات مطبوعة مع مسرحه الجديد, لأنه آثر كتابة مسرحياته بنفسه, ومنذ ذلك الحين تفجّر عشقه للمسرح, الذي صار الجزء الأهمّ في عمله، كما استطاع أن يدندن الألحان الشائعة قبل أن يحسن النطق، وأخذ عن الخدم المسنين الحكايا والأغاني الشعبية.. وكل ذلك ساهم في تنمية إبداعه الشعري والمسرحي.. كما أن اهتمامه بالرسم لم يقلّ عن اهتمامه بالأدب, فكان مبدعاً جامعاً يضجّ بالحياة مهما كانت الأداة الإبداعية التي تمسكها أصابعه.
إلّا أن فيديريكو لم يستطع يوماً الالتزام بالدراسة الأكاديمية, فبعد أن بدأ دراسته الجامعية في جامعة غرناطة توقف دون أن يتمها, ثم التحق فيما بعد بجامعة مدريد ولكنه لم ينجز دراسته فيها أيضاً، وذلك لأن اهتماماته كانت موجهة دائماً إلى خارج مدر
نشرت في مجلة الأفكار الذكية
لعلّهم هناك قد اعتادوا المطرَ.. اعتادوا وقعَ القطرات تطرق نوافذهم كل صباح لتوقظهم.. اعتادوا رائحة الكينا تعبق من تربة مشبعة بالذكريات..
هكذا هو موسم المطر في الوطن.. هكذا هي الغيوم ترسم الحب في كلمات أغنية فيروزية, فتنطق القلوب بعشق التفاصيل الصغيرة في المنفى..
هنا.. في الغربة.. للمطر نكهة أخرى.. وهنا في الغربة, للحب لون آخر, ولصوت فيروز وقع آخر..
أنا مثل مئات الشباب, سافرت لكي أعمل, هنا في منفاي الأوربي, لأن وطني لم يوافر لي فرصة عمل مناسبة بالرغم من أنني أحمل شهادة جامعية في التجارة والاقتصاد.
هكذا بقيت في وطني أتنقل من مؤسسة إلى أخرى محاولاً إيجاد عمل في إحداها, لكن الجواب الوحيد على الشفاه الجافة كان: (لا يوجد شواغر).
قاومت اليأس في البداية, وعملت في وظائف لا علاقة لها باختصاصي أو طموحي, حتى أنني ذات مرة درّست مادة الرياضيات للمرحلة الإعدادية, لكنني في نهاية الأمر, وجدت نفسي قد قاربت الثلاثين دون أن أحقق ما نسبته خمسة بالمئة من أحلامي, حتى أنني لم أمتلك بيتاً.. أجل, هذا حال آلاف الشباب مثلي, نبلغ الثلاثين في بيوت آبائنا..
بالنسبة إليّ كان ذلك ضعفاً لا أقبله على نفسي, فقررت الرحيل, قررت أن أترك كل شيء ورائي وأبدأ رحلتي باتجاه المجهول.. وهكذا كان.
اليوم أكمل السنة الأولى في رحلتي, فقد وجدت عملاً في شركة "استيراد وتصدير", وأنا أحاول منذ اليوم الأول من عملي هنا أن أكون متفاعلاً مع الجو العام للعمل, ومع زملائي الذين شاء القدر أن يكونوا من مختلف الانتماءات باستثناء الانتماء إلى دولة عربية.
صحيح إن إتقاني اللغة الإنكليزية قد ساعدني كثيراً على عملي, لكنني أكاد أفقد لساني العربي, أشتاق إلى قراءة بيت من الشعر أو قصة أو خبر فيه يُنْعى إنسان باللغة العربية.
حاولت أن أتجاوز حاجز اللغة, فعلّمت عدداً من زملائي بعض العبارات الأساسية في اللغة العربية, كعبارات التحية والسلام, وأسماء بعض المأكولات, لكن الإدارة لم يعجبها ذلك, فقد طلبني رئيس القسم ذات يوم إلى مكتبه وقال لي:
- جواد.. أي اسم هذا؟.. ما معناه؟
أجبته:
- السخيّ والكريم، والحصان السريع الجري.
لا أعرف لماذا ضحك بصوت مرتفع, وقال لي:
- حصان.. هذا معنى اسمك!.. وأنت فرح به!.. يجدر بك أن تغيّره, لا يليق برجل أن يحمل اسم حيوان.
"تمالكت أعصابي" وشرحت له أن العرب قديماً كانوا يطلقون على أبنائهم أسماء وصفات الحيوانات القوية, والأسماء المستمدة من الصحراء الخشنة, لكي يرهبوا أعداءهم بوقعها على السمع, ولأنهم يرون أن (لكل امرئ من اسمه نصيب).
لكن مديري لم يكن يأبه لمعنى اسمي, بل كان يشغله أمر واحد: كيف يستطيع إهانتي.. وعرفت أنني لا أستطيع مواجهته ومجادلته, لأن ذلك يعني دخولي ساحة معركة من الحرب الباردة, وأنا أكره الحروب الباردة, فهي تستنزف القوى, دون أن توصل إلى نتيجة.
طلب إلي مديري أن ألتزم بالتحدث باللغة الإنكليزية, وأخبرني أنني مهما كنت أحب لغتي, إلا أنها لا تنفعني هنا..
لا يهمّ بأي لغة يتحدث الواحد منّا, ولا يهمّ ما لون عينيه أو بشرته, المهمّ هو أن يستطيع المقاومة في هذا المكان المختلف بكل تفاصيله.. وعلى الرغم ممّا يبدو للمرء من أن انتقاله هو انتقال مكاني جغرافي بحتٌ, إلا أنني أدركت أنني أنتقل بين زمنين, وبين حضارتين, وأعتقد أنني المذنب بما أشعر به من غربة, لأنني قد عجزت عن الاندماج في حياتي الجديدة, وصرت عاجزاً عن العودة إلى الاندماج مجدداً في حياتي القديمة, إنني كمن يقف في الفراغ, في منطقة محايدة لا تنتمي إلى الزمان أو المكان, أفكّر بالعودة وأفكر بالبقاء, فلا أستطيع اتخاذ قرار نهائي, ويأكلني الخوف من أي قرار قد أندم عليه لاحقاً, لأنني لم أعُدْ أعرف إن كانت الغربة تنشأ حولي, أم أنها تخرج من أعماقي, فلقد باتت تسكنني, وأخشى إنْ رجعت إلى وطني أن تبقى معي, فأكون بذلك ما نِلْت بلح اليمن ولا عنب الشام..
في الوطن, نحن أوربيون أكثر من اللازم, وفي المنفى نحن عرب أكثر من اللازم, وفي النتيجة نحن بدون هوية..
مشكلتي مع الغربة هي شدة انتمائي لوطني, ومشكلتي م
مجرد إحساس بالضياع..
رغبة بهدوء صمت من كون آخر.. صمت ينبت كشجيرات العليق على القلوب المقفلة منذ أزمنة ما قبل التاريخ..
غريبة تلك المشاعر المحتضرة على سرير وجع أزلي..
غريبة تلك الرغبة بالانتقال إلى بعد آخر, خارج حدود الأزمنة والأمكنة..
كيف يستطيع المرء تحقيق رغبته بالصراخ؟!
كيف يخرج من ثوب الخضوع لقوانين الجغرافية, ليرتدي ثوب التحرر من كل قيد؟!
يبدو ذلك الأفق المسافر نحو الريح.. بلا حدود..
يبدو حلماً على أطراف شاطئ بعيد..










